Skip to content

تعلُّم رؤية الناس كما يراهم الله
بقلم: بوب بدر
مدير خدمة الأطفال والشباب في مؤسّسة (Neo Leaders)

دعوةٌ تستمر في النمو

إنّ اكتشاف دعوة الله في مرحلة مبكرة من العمر هو امتياز حقيقي. أما الاستمرار في الخدمة بأمانة في تلك الدعوة لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً فهو نعمة تملأ قلبي بالامتنان العميق.

بدأتُ خدمة الأطفال في كنيستي المحلّيَّة عندما كنتُ في السادسة عشرة من عمري. واليوم، أحظى بامتياز قيادة خدمات الأطفال والشباب من خلال مؤسّسة (Neo Leaders) في ستّة بلدان.

طوال هذه السنوات، واصل الله تعليمي، وتحدّي قدراتي، وتوسيع مفهومي لمعنى الخدمة الحقيقي. وأحد أهمّ الدروس التي تعلَّمتُها هو: أنّ الخدمة لا تتمحور في المقام الأوّل حول البرامج، أو الأنشطة، أو الفعاليات؛ بل تتمحور حول الناس.

الخدمة تتمحور حول الناس

لأعوام طويلة، كان يُقاس نجاح خدمة الأطفال غالبًا بأعداد الحضور، أو الفعاليّات الناجحة، أو المناهج المكتملة. ورغم أنّ لهذه الأمور مكانتها، إلا أنّني ازددتُ قناعةً بأنّ الخدمة الحقيقيّة تحدث من خلال التلمذة والعلاقات الهادفة. فالأطفال يحتاجون إلى ما هو أكثر من مجرّد دروس؛ إنّهم بحاجة إلى بالغين يهتمّون بهم بصدق، ويفهمونهم، ويسيرون إلى جانبهم.

وقد شكّلت هذه القناعة الطريقة التي نخدم بها، وندرّب القادة، ونشترك بها مع الكنائس في جميع أنحاء المنطقة. نحن نسعى لبناء خدمات تهتمّ بالطفل ككلّ — روحيًّا، وعاطفيًّا، واجتماعيًّا، وعمليًّا عندما يكون ذلك ممكنًا. كما نؤمن بأنّ التعليم المسيحي يجب أن يعكس التميُّز، باستخدام أساليب فعّالة تساعد كلّ طفل على التعلُّم والنمو.

درس غير متوقع في الدمج

بعد سنواتٍ طويلة من الخبرة في الخدمة، يستمرّ الله في تحدّي افتراضاتي وتوسيع آفاقي. وقد جاءت إحدى تلك اللّحظات عام 2018 من خلال شراكة غير مُتوقَّعة مع مركز سكيلد. نظّمنا معًا مُخيَّمًا صيفيًّا نهاريًّا لمدّة ستّة أسابيع، جمع بين الأطفال ذوي الاحتياجات التعليميّة الخاصة وأقرانهم في بيئة مشتركة واحدة. في ذلك الوقت، لم أكن أُدرك تمامًا مدى العمق الذي ستتركه هذه التجربة في نفسي.

إنّ ما شهدتُه خلال تلك الأسابيع كانَ أكبر بكثير مِن مجرّد اعتبار “الدمج” إستراتيجية في الخدمة. لقد رأيتُ أطفالًا يبنُون صداقاتٍ، ويتعلّمون مِن بعضِهم البعض، ويكتشفون أنَّ الاختلافات لا يجب أن تخلق حواجز. لقد أصبحت هذه التجربة واحدة من أكثر التجارب مغزى في مسيرة الخدمة الخاصة بي، وفتحت عينيَّ على رؤية أوسع لما يعنيه أن ينتمي كل طفل ويشعر بالقبول.

عندما يغير التدريب المفاهيم

هذا العام، استمرّت المسيرة مع مركز سكيلد؛ عملنا على تقديم تدريبٍ حول “ثقافة الدمج” لقادة من الكنائس الشريكة لنا في سوريا. وبينما قمنا بدعوة قادة الخدمة من مختلف المدن والطوائف للمشاركة، لم يشجعني فقط استعدادهم للتعلم، بل أيضاً التحول الذي حدث أثناء التدريب نفسه. ولقد شاركتنا إحدى المتدرّبات بأنها كانت تعتقد في البداية أن التدريب سيركز فقط على مساعدة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة على التكيُّف مع الحياة الكنسية. ولكن مع توالي الجلسات، أدركت أن الدمج يبدأ مِنّا نحن؛ يبدأ بتغيير مواقفنا، وافتراضاتنا، وفهمنا. ويعكس هذا الانطباع أحداً من أهم الدروس المستفادة من التدريب.

كيف يبدو الدمج الحقيقي؟

إن الدمج الحقيقي لا يقتصر فقط على تهيئة مساحة لشخص ما ليدخل الغرفة؛ بل يتعلّق بخلق ثقافة يُرى فيها كل شخص، ويُقدَّر، ويُفهم، وتُتاح له الفرصة للمشاركة الكاملة. من خلال التدريب، تعرّف قادتنا على الاختلافات في التعلّم، والحالات النمائية العصبية، وحقوق الأطفال، والطرق العمليّة لخلق بيئات داعمة. وقد تفاجأ الكثيرون باكتشاف كمْ يُساء فهم الأطفال في كثير من الأحيان؛ فالسلوكيات التي تُصنف أحياناً على أنها كسل أو عصيان أو قلة اهتمام، قد تعكس في الواقع تحديات حقيقية تتطلب التفهم والصبر والدعم. بالنسبة للعديد من المشاركين، قدّم التدريب ما هو أكثر من مجرد معلومات؛ لقد غيّر المفاهيم والمنظور.

رؤية الناس كما يراهم الله

بينما كنت أتأمّل في هذه المحادثات، تذكّرتُ درسًا علّمَني إياه الله مِرارًا وتكرارًا في حياتي الخاصّة. فأنا وزوجتي نتمتّع بعلاقة قويّة وصحِّية. ومع ذلك، فإنّ الأمور التي تشغل بالها ليست دائمًا هي نفس الأمور التي تشغل بالي، والتحدّيات التي تواجهها قد تختلف عن تحدياتي. إنّ الله في حكمته لا يتعامل معنا وفقاً لمعادلة جامدة، بل يلتقي بكل منا وفقاً لاحتياجاته الفردية. وهذه هي الطريقة نفسها التي نُدعى بها لخدمة الآخرين.

عندما نبدأ في رؤية الناس كما يراهم الله، نتوقّف عن توقُّع أن يتناسب الجميع مع نفس القالب. نصبح أكثر استعدادًا للإصغاء، والفهم، والاستجابة برأفة. فالدمج ليس مجرّد برنامج ننفذه، بل هو انعكاس لقلب الله ومحبته للناس.

العمل يبدأ بعد انتهاء التدريب

بالطبع، التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء التدريب. إنّ نجاح أيّ مؤتمر لا يُقاس بما يحدث داخل قاعة الدراسة، بل بما يحدث بعد ذلك. أملي هو أن يعود القادة الذين شاركوا إلى كنائسهم ومجتمعاتهم بالتزام متجدِّد لبناء بيئات يستطيع فيها كل طفل وكل عائلة اختبار معنى الانتماء. إنني أتوق لرؤية كنائسنا تُعرف بأنها أماكن تُرَحب بالاختلافات، وتُزال فيها الحواجز، ويُعامل فيها كل شخص بكرامة ومحبة.

   إن الدمج الحقيقي لا يقتصر على مجرد تهيئة مساحة لشخص ما ليدخل الغرفة؛ بل يتعلق بخلق ثقافة يُرى فيها كل شخص، ويُقدَّر، ويُفهم، وتُتاح له الفرصة للمشاركة الكاملة

.

ما زلتُ أتعلم بعد خمسة وثلاثين عاماً

بعد خمسة وثلاثين عاماً في الخدمة، ما زلتُ أتعلم. ولعل هذا هو أحد أعظم عطايا الله للذين يخدمونه. فكلما تعلمنا أكثر، اكتشفنا أكثر عمق محبته للناس — واستُنهِضنا أكثر لكي نعكس هذه المحبة في الطريقة التي نخدم بها الآخرين.

Back To Top
Search