تعزيز الإستقرار والتعلّم والرفاه العاطفي للأطفال ذوي الإحتياجات المتنوّعة مع بداية العام الدراسي في جميع…

مقدّمة
قبل ولادتي، تبنّى والداي صبيًّا من ذوي الاحتياجات الخاصة يُدعى لورانس. وُلد قبل الأوان وكان وزنه أقل من كيلوغرام. أدى الجمع بين هذه الولادة المبكّرة وإدمان أمّه التي ولدته على المخدّرات، إلى إصابته بالشلل الدماغي. وحتّى يومنا هذا، لم يتمكّن لورانس من القيام بالتدحرج أبدًا، أو أن يجلسَ بمفرده، أو يزحفَ، أو يمشي. وعلى الرّغم من التحديات الطبية والتنموية المعقّـدة التي يواجهّا، دفع الله والديّ إلى تبني أخي.
عندما يواجه الطفل تحدّيات جسديّة و/أو نمائيّة، تتأثّر الأسرة بأكملها. كان أخي يبلغ من العمر عامين عندما ولدتُ أنا، ويقول والدايٌَ أنّنا كنّا متعلّقَين ببعضنا مثل التوأم. إذا بكى، كنتُ أبكي. وعندما يبتسم، كنت أضحك. تعلٌمتُ الوقوف متكئًا عليه، وبمجرد أن تمكّنتُ من المشي، دفعتُ كرسيّه المتحرك الصغير معي. كانت أصواته غريبة لمعظم الناس، لكنّها لم تكن غريبة علي. لذا، بمجرّد أن بدأتُ في الكلام صرتُ أترجمُ ما يقوله الآخرون للورانس وترجمتُ ما يقوله لورانس إلى العالم.
تم تصنيف الشلل الدماغي لدى لورانس على أنه شلل رباعي تشنجي شديد. حصل على أوّل كرسي متحرك كهربائي في سن الثالثة وما زال يحتاج إلى المساعدة في ارتداء الملابس وتناول الطعام واستخدام المرحاض وجميع مهارات الحياة اليومية الأخرى. كان والدايّ يعلمان أنّ التدخّل المبكر من شأنه أن يحسّن بشكلٍ كبير من جودةِ حياة أخي، لذلك كان يتلقّى العلاج الجسدي والحركي والبصري وفي النطق مرّتين في الأسبوع بدءًا من سنٍّ مبكرة جدًا. كان العديد من معالجي لورانس يطلبون أن أكون في الجلسات. وهذا خدم هذا غرضين: ترجمتُ لغته المختلطة لهم وساعدتُ في “واجباته المنزلية” من خلال ممارسة المهارات باللّعب في المنزل. كنت كلّي انتباه – تعلّمتُ مِن أخي والمعالجون الرائعون عن العقول المذهلة للمتعلّمين غير التقليديّين. بسبب التحديات التي واجهها لورانس، كان لدي اتصال يومي بأشخاص لديهم قدرات بدنيّة ونمائيّة متنوّعة. وقعت في حب المتعلّمين الفريدين ومجتمع الاحتياجات الخاصّة بأكمله!
التحديات والمواهب
أن تعيشَ مع شخصٍ يُعاني من تحدّياتٍ جسديّة وتنمويّة أمر صعب. فهو ليس مرهقًا عاطفيًا واقتصاديًا فحسب، بل إنه معزول اجتماعيًا بالنسبة للأسرة. وفي حين بذل والداي قصارى جهدهما لمنحنا أنا وإخوتي الأكبر سنًا الفرص عينها التي يتمتّع بها الأطفال الأمريكيون النموذجيّون، إلا أنّ حياتنا كانت بعيدة كلّ البُعد عن النموذجية.
لقد تعلّمنا أنّ الحياة هشّة. فقد أمضيتُ أنا وإخوتي أسابيع في المستشفيات عندما خضع لورانس لعمليّات جراحيّة كبرى. كما اكتشفنا أنّ الأشخاص الذين يبدون أو يتصرّفون بشكلٍ مختلفٍ غالبًا ما يتمّ تجاهلهم أو التنمّر عليهم. وكان لزامًا عليّ وعلى إخوتي المساعدة في رعاية لورانس، ولم نكن نحب القيام بذلك دائمًا. ومع ذلك، فقد منحتنا تحدّيات لورانس جميعًا هديّة رائعة، مفهومًا جديدًا! لقد علّمنا أن نتباطأ ونقدّر الأشياءَ الصغيرةَ مِثل المَشي والتّحدث – وفي بعض الأيام – التنفّس!
ونادرًا ما تمّت دعوة عائلتنا إلى منازل الناس لأن معظم المنازل غير مناسبة للكراسي المتحرّكة. بدلاً من ذلك، فتح والدايّ منزلنا للأصدقاء والعائلة. ولم نخفِ لورانس أو تحدياته. عندما كان بصحّة جيّدة، كان لورانس يحضر كل الأحداث الرياضيّة والحفلات الموسيقيّة التي شاركت فيها عائلتنا. كان ذلك مفيدًا له، وكان مفيدًا لمجتمعنا بأكمله. لقد كان لدي العديد من المعلمين والموجّهين الذين وصلوا مراحل متقدّمة في التعلُّم في حياتي، ولكن أخي الذي لديه احتياجات خاصّة علّمني أكثر منهم! لورانس هو الشخص الأكثر مرونة الذي أعرفه وقد كرّست حياتي للقيام بما لا يستطيع القيام به – بُعد النّظر وإعطاء صوت لمن لا صوت لهم.
لماذا لبنان؟
الإجابة على هذا السؤال هي سكيلد! خلال السنوات القليلة الماضية من المدرسة الثانوية، بدأتُ أفكرّ بشكل أكثر شموليّة. لا يتمتّع المتعلّمون غير التقليديّين والأشخاص الذين يعانون من تحدّيات جسديّة أو عاطفيّة أو نمائيّّة بنفس الامتيازات التي يتمتّع بها أخي في الولايات المتحدة. في بعض الأماكن في العالم، يجري حبس أشخاصَ مثل لورانس، أو تقييدهم مثل الحيوانات، أو التخلّي عنهم ببساطة. هذا حطّم قلبي وحفّزني على استكشاف الطرق العديدة التي تتعامل بها الثقافات مع التعلّم بشكل عام والمتعلّمين غير التقليديّين بشكل أكثر تحديدًا. واكتشفتُ أنّه في حين أنّ الكتب مفيدة، أفضل طريقة للتعرف على الثقافة هي تمضية الوقت مع أطفال ذوي احتياجات خاصّة في بلدان أخرى – وهذا ما دفعني إلى لبنان!
في أكتوبر 2023، قدمتني كنيستي إلى منظمة للخدمة المهنية تتولّى التفتيش عن فرص لمن يرغب بالخدمة في بلاد حول العالم، وتعرّفتُ من خلالهم إلى سكيلد. قمتُ فورًا بالبحث عن معلومات عنهم على الإنترنت لمعرفة ما يقدمونه. رأيتُ برامج للأطفال والشباب، وحتى التدريب والدعم للأشقاء والعائلات! أثار هذا حماستي – سكيلد يفعل كل ما أريد القيام به بمجرد الانتهاء من الدراسات العليا!
أمضيتُ شهرين أتعلّم من الموظفين وأتواصل مع الطلاب في برنامجي الـ ABA وIDEAL في سكيلد. تختلف الأنظمة التعليمية اللبنانية والأمريكية قليلاً، لكن احتياجات الطلاب هي نفسها في كل مكان في العالم. يحتاج المتعلّمون الفريدون إلى مزيد من الاهتمام والتعليم الفردي أكثر مما يمكن أن يقدّمه نموذج الفصل الدراسي التقليدي. يدرك موظفو ABA أهمّية معرفة كل طفل على حدة.
كان الطلاب في برنامج الـ ABA رائعين! لقد كان شرفًا لي أن أقضي وقتًا ممتعًا في مراقبة وتعلم احتياجات العديد من الأطفال. كان أحد أهم الأحداث خلال الوقت الذي أمضيته في برنامج ABA هو إقامة حفلة للاحتفال بتخرّج أحد الطلاب. خلال فترة وجود هذه الطالبة في SKILD، تعلّمَت وأتقنَت الأدوات اللّازمة للانتقال إلى مدرسة عاديّة في الخريف! لقد كان من دواعي سروري الاحتفال بهذا الإنجاز!
كان برنامج IDEAL تجربة جديدة تمامًا بالنسبة لي. على الرغم من أنّني أمتلك خبرة أكبر في العمل مع البالغين ذوي الإعاقة مقارنة بالأطفال، إلا أنّني لم أعمل بعد مع متعلّمين بالغين غير تقليديين في بيئة تعليميّة. نظرًا لأنّ هؤلاء الطلاب يتمتّعون بأداء عالٍ ولديهم وقت فراغ مدمج في جداولهم، فقد تمكّنت من التواصل معهم وبناء علاقات. كل يوم، ساعدتُ المعلّمين في إدارة البرنامج، وشاركت في الألعاب، وتفاعلت مع الطلاب قدر الإمكان. هذه المجموعة من الشباب ومعلّميهم مذهلون! ركز الفصل الدراسي الصيفي على تعلّم مهارات الحياة ليكون الانسان مستقلًّا (مثل التنظيف، وترتيب السرير، والسلوك المناسب في الأماكن العامة) وتوّج بمعسكر للتدريب على تطبيق هذه المهارات. كنت معهم لمدّة شهرين فقط، ويمكنني أن أرى تقدمًا ملموسًا في مهارات وسلوك هؤلاء الطلاب! تخيل ما سيحققه هؤلاء الطلاب بعد عامين! إنّ برنامج IDEAL متكامل بشكل لا يصدق. فهو يخرج الطلاب إلى المجتمع بعد التدريب على الانخراط في المجتمع والالتزام بعمل. أنا معجبة جدًا ببرنامج سكيلد هذا.
كانت الأيام مع الطلاب ومدربي برنامج تحليل السلوك التطبيقي (Applied behavior analysis – ABA) وبرنامج IDEAL خلال الوقت الذي أمضيته مع مركز سكيلد رائعة؛ لقد تجاوزت توقعاتي وتعلمت الكثير. لقد شعرتُ بالترحاب الشديد وتمكّنتُ من تجربة الخدمات المُتاحة … هذه التجربة الدولية تشجع على مواصلة الدفاع عن الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في التدريب في بلدهم الأصلي وفي الخارج.
-
أفكار ختامية
لبنان بلد جميل. مناظر الجبال والشلالات وغروب الشمس تخطف أنفاسي. ولكن الشعب اللبناني هو الذي لن أنساه أبدًا. لقد كان أفراد عائلتي المضيفة (عائلة قسطه)، والموظفون والطلاب في سكيلد، ومعلمي العربي، والكنائس المحلية، والأصدقاء الجدد الذين تعرفت عليهم خلال الشهرين الماضيين لطفاء للغاية ومضيافين. أشكركم على الترحيب بي في حياتكم ومنازلكم وبلدكم. والأهم من ذلك – أشكر فريق سكيلد، أشكركم لمناصرتكم قضية من هم مهمّشين. بارككم الله جميعًا
