Skip to content

تقدم هذه المدونة شهادة من تريز، والدة الطفل نديم، البالغ من العمر سبع سنوات. لا تقتصر هذه التجربة على استعراض تفاصيل التعامل مع طيف التوحد، بل هي تجسيد لمسيرة أمومة تتسم بالتحديات الكبيرة، والطموحات المتجددة، والإنجازات الصغيرة التي تتحقق بصفة يومية.

البداية: لحظات محفورة في الذاكرة

كان نديم باكورة أحفاد العائلة، فاستقبلناه بفيض من الحب والترقّب. في عاميه الأوَّلين، نَما نديم نُمواً طبيعيّاً. كان طفلاً محبوبًا سريع التعلّم، يعرف الألوان والحروف، وينطق بكلمات بسيطة مثل “ماما”، “بابا”، وتفاحة”. ولكن فجأة، بدأ صوته يخفت، والكلمات التي كان يردّدها بدأت تتلاشى من ذاكرته، وبات لا يستجيب عندما نناديه باسمه.

أَستحضرُ في ذاكرتي لحظةً مؤلمة كسرت قلبي: عندما نسي نديم كلمة “تفاحة” وانخرط في بكاء مَرير، وكأنّه فقد شيئاً ثميناً. لم أتمالك دموعي وبكيتُ لبكائه. رأيته يلوّح بيديه بطريقة غريبة، يحدّق في الفراغ بشرود، وصمته يطبق على المكان. شعرت حينها أن هناك شيئاً غير طبيعي يحدث.

عندما قيل لي: “إنّك تبالغين!”

شاركت مخاوفي مع والده، فكان جوابه: “إنّه فقط بطيء بعض الشيء في الكلام، سيتحدّث لاحقاً.” حتّى إخوتي وأخواتي قالوا لي: “ليس كلّ الأطفال متشابهين!” لكنْ قلبي كان ينبض بإحساس آخر، إحساس الأم الذي لا يخطئ.

طرقتُ أبواب خمسة أطباء مختلفين: وصف أحدهم الفيتامينات، بينما وصف آخر دواءً مهدئاً جعله ينام طوال النهار! شعرت بالضياع والعجز ولم أكُن أعرف كيف أساعد إبني.

كنت أقضي ساعات في البحث عبر الإنترنت، أقرأ عن التوحد وأعراضه، وفي كلّ مرّة كنت أرى شبح هذه الأعراض يخيّم على نديم. كان قلبي يتمزق ألماً.

المدرسة الأولى: عام من الانكسار والوجع

حاولت إلحاق نديم بمدرسة، لكنْ الأمر كان أشبه بالفاجعة. كان نديم لا يزال يستخدم الحفاض، وكانت معظم المدارس ترفض قبوله. أخيراً، وجدت مدرسة قبلته، ولكن يا ليتني لم أفعل. كان يعود كلّ يوم باكياً، ملابسه ممزّقة، وخدّه مخدوشاً. وعندما سألت عن السبب، قيل لي: “إنّه يضرب نفسه.” وكنت أصدق، وكنت أنهار من الداخل.

في بعض الأحيان، كنت أشعر أنّ الحياة قد توقّفت. كنت أستيقظ وقلبي مثقل بالهمّ، وأنام وعيناي تذرفان الدمع. لم تكن المعلّمات صادقات ولم يكن أحد يقدّم الرعاية اللازمة. أضف إلى ذلك الواقع آنّنا لم نجد الاحترام، لا أنا ولا نديم كطفل له احتياجات خاصّة.

كنت أعيش وجعي بصمت، أشعر بأنْ لا دعم ولا سند، لا من المعلمات ولا من الإدارة ولا حتّى من العائلة. وبصراحة، أحسست أنّه لا يوجد أمل يلوح في الأفق.

النقلة النوعية: الفرق كلّ الفرق والأمل

بعد عناءٍ وبحث مضنٍ، وصلني خبر عن مركز متخصِّص. بحثت عنه في الإنترنت، ثمّ اتصلت وزرت المكان.

حدث التغيير المنشود منذ اليوم الأول. دخل نديم الصف وهو يضحك! ولوّح لي بيده مودّعاً … وقلبي طار من الفرح. بعد أسبوع واحد فقط خلع نديم الحفاض بنفسه! وبعد شهر كتب لي على ورقة صغيرة: “أحبّك يا أمّي.”

من طفل لا ينطق بكلمة واحدة، تحول نديم إلى طفل يكتب ويعبر عن مشاعره بصدق. صرت أفهم عليه من خطّه ومن نظرات عينيه ومن رسوماته. أصبحنا نتحدّث لغة خاصّة بنا لا تحتاج إلى كلمات!

تغييرات أذرفت عيني دموع الفرح

  • الاستقلالية: صار نديم يرتدي ملابسه وحده، يحضّر حقيبته المدرسية، وحتّى يرتب ملابسه ويخلع حذاءه.
  • النظافة: يعود نديم من المركز نظيفاً ومعطراً. لقد اهتموا بأدق تفاصيله.
  • المسؤولية والتواصل: صار يطلب ما يريد، يعبّر عن احتياجاته، يكتب لي إذا كان يريد البيتزا أو إذا شعر بالتعب. يقترب مني ليقبلني ويقول: “ما تتعبي يا ماما.”
  • السلوك: تبدّل حاله من رفرفة اليدين والعزلة في الزاوية إلى الانخراط في الأنشطة واللعب مع أصحابه، ومن الصمت إلى الرقص معهم بفرح.

نديم اليوم ليس ذلك الطفل الخائف المنزوي. لقد أصبح طفلاً يضحك من أعماق قلبه، يكتب، يرقص، ويحب الحياة بكل تفاصيلها. وأنا… أصبحت أمّاً أقوى، وقلبي يفيض بالأمل والتفاؤل.

  1. “شكراً يا رب“

    لا يمر يوم دون أن أشكر الربّ لأنّني وجدتُ هذا المكان. شعرت أنّهم لم يحتضنوا نديم فحسب، بل احتضنوني أنا أيضاً. منحوني الأمل، وأعادوا إليّ روحي.

    إنّهم يعملون على كل تفصيل صغير في حياة نديم، حتى استخدام الحمام، الذي كنت قد فقدت الأمل فيه، أصبح يدخله بمفرده.

    والمفاجأة الكبرى هي أنّ نديم الآن هو ضمن برنامج تأهيلي مرموق. نعم، لقد أصبح هناك أمل بمستقبل مشرق وأصبحت هناك حياة وأصبح هناك غد ننتظره بشغف.

    إلى كل أم تقرأ كلماتي الآن

    إذا كنتِ تقفين مكاني منذ سنوات، فلا تيأسي أبداً. ليس هناك شيء اسمه مستحيل. لا تصدقي كل من يقول لكِ: “ابنك لن يتحسن”، لأنه سيتحسن إذا آمنّنا بذلك. بالإيمان، والإصرار، وبالبحث عن المكان المناسب والأشخاص المناسبين… يصبح المستحيل ممكناً.

    نديم اليوم ليس ذلك الطفل الخائف المنزوي. لقد أصبح طفلاً يضحك من أعماق قلبه، يكتب، يرقص، ويحب الحياة بكل تفاصيلها. وأنا… أصبحت أمّاً أقوى، وقلبي يفيض بالأمل والتفاؤل.

Therese's background as a secretary prepared her for many tasks, but nothing compared to the demands of raising her autistic son, who needs her complete focus. Fortunately, she grew up in a remarkably warm and close family, where she absorbed invaluable lessons about love. This deep-seated love is now the driving force behind her unwavering dedication to her son.

Back To Top
Search